النووي
158
شرح صحيح مسلم
الاقتراع ومعناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان وقدر ها وعظيم جزائه ثم لم يجدوا طريقا يحصلونه به لضيق الوقت عن أذان بعد أذان أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد لاقترعوا في تحصيله ولو يعلمون ما في الصف الأول من الفضيلة نحو ما سبق وجاؤا إليه دفعة واحدة وضاق عنهم ثم لم يسمح بعضهم لبعض به لاقترعوا عليه وفيه اثبات القرعة في الحقوق التي يزدحم عليها ويتنازع فيها قوله ( ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ) التهجير التبكير إلى الصلاة أي صلاة كانت قال الهروي وغيره وخصه الخليل بالجمعة والصواب المشهور الأول قوله صلى الله عليه وسلم ( ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ) فيه الحث العظيم على حضور جماعة هاتين الصلاتين والفضل الكثير في ذلك لما فيهما من المشقة على النفس من تنغيص أول نومها وآخره ولهذا كانتا أثقل الصلاة على المنافقين وفي هذا الحديث تسمية العشاء عتمة وقد ثبت النهي عنه وجوابه من وجهين أحدهما أن هذه التسمية بيان للجواز وأن ذلك النهي ليس للتحريم والثاني وهو الأظهر أن استعمال العتمة هنا لمصلحة ونفي مفسدة لأن العرب كانت تستعمل لفظة العشاء في المغرب فلو قال لو يعلمون ما في العشاء والصبح لحملوها على المغرب ففسد المعنى وفات المطلوب فاستعمل العتمة التي يعرفونها ولا يشكون فيها وقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما قوله صلى الله عليه وسلم ولو حبوا هو بإسكان الباء وإنما ضبطته لأني رأيت من الكبار من صحفه قوله ( تقدموا فاتموا بي وليأتم بكم من بعدكم لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ) معنى وليأتم بكم من بعدكم أي يقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم